ثقافة المجتمع والسلوك الإبداعي

د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عميدالبرامج التحضيرية - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

يشار الآن في الأوساط العلمية المهتمة بدراسة النمو العقلي-المعرفي وبشكل مكثف إلى الدور الرئيسي الذي تلعبه العوامل الاجتماعية-الثقافية في نمو وتشكل العمليات العقلية العليا. هذا الدور يتمثل في أنه لم يعد ينظر إلى ثقافة مجتمع ما على أنها تمثل فقط خلفية أو عاملاً مستقلاً لتفسير الأداء العقلي والسلوكيات المعرفية الأخرى لأفراده في المواقف المختلفة، بل بات ينظر إلى العمل العقلي على أساس أنه سلوك مكتسب، يحدث نتاجًا لسلسلة ممتدة من الممارسات الاجتماعية-الثقافية الضاربة في التاريخ الإنساني لأي مجتمع. هذه الطريقة الاجتماعية-الثقافية Sociocultural Approach المفسرة للنمو العقلي ترى أن هنالك عمليات عقلية دنيا أو أساسية Elementary Mental Processesوعمليات عقلية عليا Higher Mental Processes. فالعمليات العقلية الدنيا مثل التعرف والانتباه التلقائي والذاكرة التلقائية العرضية، وغير ذلك من العمليات والأفعال الانعكاسية ذات الطابع الحسي، ينظر إليها على أنها تمثل الخط الطبيعي أو البيولوجي للنمو  Natural Line of Development. وعندما يبدأ الإنسان بممارسة العمل القصدي في الأداء العقلي مثل الانتباه الإرادي والتذكر القائم على توظيف إستراتيجيات مساعدة والتفكير الهادف وإلى غير ذلك من العمليات العقلية العليا، فإن ذلك يمثل الخط الثقافي للنمو Cultural Line of Development .

ويتجلى دور المعطى الثقافي لأي مجتمع في النمو والأداء العقلي لأفراده من خلال استخدام الأدوات الثقافية التي أنتجها المجتمع وتوارثتها الأجيال المتتابعة، وذلك لإضفاء القصدية على العمل العقلي أي لصياغة وتشكيل العمليات العقلية العليا. هذا الطرح يثير نقاطًا متعددة من أهمها مسألتان، الأولى تتصل بأهمية أن تكون الثقافة منتجة وغير مستهلكة، أي منتجة للأدوات الإنسانية المختلفة التي تسهل الحياة مثل التقنية بأنواعها، المسألة الثانية تتصل باللغة بوصفها من أهم الأدوات الثقافية التي يستخدمها الإنسان لنقل الموروث الحضاري من جيل إلى آخر وكذا من ثقافة إلى أخرى. والحديث هنا ليس فقط عن البعد المادي للمنتج الثقافي ولكن أيضًا عن الجانب الفكري لذات المنتج، فمثلاً الفرد في المجتمع المنتج لوسيلة حضارية مثل السيارة سوف يستخدمها وهو مدرك للتاريخ الفكري التطوري لهذا المنتج الثقافي بالإضافة إلى عامل المنفعة، بينما الفرد في المجتمع المستهلك لهذه الوسيلة سوف يستخدمها وهو يعي فقط المنفعة المادية، وليس الأساس الفكري الذي نشأ عنه هذا المنتج الحضاري. إن اختلاف التعاطي مع المقتنى الحضاري نفسه (السيارة) ما بين الثقافة المنتجة والثقافة المستهلكة يفسر وإلى حد كبير السلوكيات المتباينة في القيادة التي نراها عبر المجتمعات المختلفة.

ومن خلال اللغة بوصفها وسيلة اتصال اجتماعي وبأشكالها المختلفة المنطوقة والمكتوبة وكذا لغة الإشارة والرموز يتم تشكيل الأداء العقلي. فخلال النمو العقلي يدرك الطفل أن للغة دورًا آخر هو التواصل مع الذات (التفكير) بعد أن كانت، أي اللغة، تؤدي دورًا للتواصل الاجتماعي فقط. وهذا يشير إلى أهمية اللغة كميكانيزم أو آلية لتأكيد القول بأن العمليات العقلية العليا ذات طبيعة حوارية وأساس اجتماعي، وليس أساسًا عقليًّا محضًا. وعلى ذلك يمكن القول: إن الأطفال يكتسبون ثقافة مجتمعهم وبشكل رئيسي من خلال اللغة، ومع الأخذ في الاعتبار الدور النمائي للغة والمتمثل في تشكيل العمل العقلي، فإن مضمون اللغة الذي يقوم على عناصر ثقافة المجتمع هو في النهاية محتوى العمل العقلي.

هذه المقدمة تمثل وبشكل ما تحديدًا للدور النمائي للعوامل الاجتماعية-الثقافية في الأداء العقلي، وعليه يمكن القول: إن اتجاهات أفراد المجتمع نحو أمر ما هي إلا نتاج لسلسلة طويلة من نمو الفرد ونمو المجتمع عبر أجياله. والإبداع مثله مثل أي عمل عقلي آخر يعد نتاجًا لعوامل اجتماعية-ثقافية، سواء من حيث نموه وتشكله أو من حيث الاتجاه نحوه. وبعد اكتشاف الموهوب فإن من أوجه الرعاية التركيز على فحوى الاتجاه نحو الموهبة أو الإبداع سواء من ناحية فكرة المبدع عن نفسه ونظرته للآخرين أو من خلال نظرة المجتمع للإبداع والمبدعين. فإذا كان المجتمع يسعى إلى الاستثمار في المبدعين، ليكونوا روادًا في المجالات التي يختارون التخصص فيها، فإن من أوجه تربيتهم تعويدهم على المسؤولية الاجتماعية وما تتضمنه من معايير أخلاقية سواء ما يتصل بإدراك المبدعين للحدود والضوابط الأخلاقية للاكتشافات العلمية، هذا على اعتبار أن بعض الاكتشافات العلمية قد تكون ذات أبعاد خطرة أو غير مرغوبة عمومًا، ثم ما يتصل بعلاقات المبدعين الاجتماعية مع الآخرين. وبالنسبة لعلاقة المبدع مع الآخرين فإن لها شقين، الأول هو المبدع نفسه، حيث يفترض في هذا المقام أن يسعى المربي إلى تعويد المبدع على التوازن في التعامل مع الآخرين، ذلك أنه من الممكن جدًّا أن يعاني المبدع شعورًا بالوحدة ناتجًا عن عدم القدرة على الاتصال السليم سواء بينه وبين أقرانه نظرًا للاختلاف بينه وبينهم في العمر العقلي، أو بينه وبين الكبار الذين يختلفون عنه في مقومات أخرى اجتماعية وعاطفية وعمرية ،،، إلخ حتى وإن اقترب منهم أو ماثلهم في العمر العقلي.

هذه الهوة بين المبدع والآخرين قد تقود المبدع إلى الانعزال والبعد عن المجتمع مما يستوجب أن يتم تعويده من قبل الآباء والمربين على اكتساب المهارات الاجتماعية اللازمة للتعامل في المواقف الاجتماعية المختلفة، وكذا العمل على زيادة ثقته بنفسه وقدراته، إلى غير ذلك من أوجه التربية والتدريب التي تنطلق من مفهوم التوازن في العلاقات مع الآخرين لأن الأمر قد لا يكون فقط في شعور المبدع بالعزلة الاجتماعية، إذ من الأوجه السلبية أن يميل المبدع إلى معاملة الآخرين باستعلاء وفوقية وفي كلا الحالتين التوازن مطلوب.

الشق الثاني يتمثل في نظرة المجتمع للمبدع وإذا كنا قد أشرنا إلى أن العمليات العقلية العليا ومنها الإبداع تعد ذات أصول أو جذور اجتماعية فإنه بالضرورة سيتم أخذ الإطار الاجتماعي الذي تتشكل فيه العملية العقلية بعين الاعتبار. وهذا يدعم ما تم طرحه في المقدمة أو بداية الحديث من أنه لا يفترض النظر إلى العوامل الاجتماعية-الثقافية فقط كخلفية نظرية تفسيرية للأداء العقلي بل المفترض النظر إلى العمل العقلي بوصفه جزء من النمو الاجتماعي-الثقافي للمجتمع والفرد. بناءًا على ذلك يتم عادة في الدراسات الثقافية النظر إلى أي نشاط إنساني في مجتمع ما على أنه وحدة اجتماعية-ثقافية قابلة للتحليل، مثال ذلك المواقف التعليمية، والعلاقات الأسرية، والسياسة الإعلامية، وغير ذلك من المواقف التي تنطلق من أبعاد قيمية. فلو أخذنا الموقف التعليمي في المجال التربوي على أساس أنه وحدة للتحليل، فإن التساؤل المطروح هنا هو: هل تم وما زال يتم من خلال الموقف التعليمي في مجتمعنا دعم السلوك الإبداعي وتقديم تربية إبداعية للجميع، وليس للموهوبين فقط؟ طرح هذا التساؤل قائم على اعتبار أن الموقف التعليمي هو إطار اجتماعي ذو طبيعة تربوية، يفترض أن يكون هدفه تهيئة أرضية للتفكير الإبداعي تفيد ليس فقط في رعاية من تظهر عليهم علائم الإبداع، ولكن في تربية الجميع على دعم الإبداع. إذا كان الموقف التعليمي متضمنًا مثلاً لإستراتيجيات خاصة بتعليم التفكير والتعلم بالاكتشاف والبعد عن التلقين إلى غير ذلك من الأدوات الثقافية المستخدمة في مثل هذا المقام، فإنه سينتج أفرادًا يؤمنون بالإبداع والتفكير المنطقي السليم والآليات الصحيحة والمناسبة لإدارة الحوار حتى وإن لم يكونوا مبدعين هم أنفسهم، بمعنى آخر تم إيجاد أرضية أو إطارًا اجتماعيًّا داعمًا للإبداع وناشرًا لثقافة الإبداع، لأن الجيل بأكمله ومن خلال مدة نمو متصلة ومستمرة قد تشرب منظومة قيمية تصب في هذا الاتجاه. والحديث هنا ينسحب على كثير من مؤسسات المجتمع التي تحوي أنشطة إنسانية تعكس ثقافته.            

فإذا قلنا إن الإبداع تتم رعايته وبشكل ملموس من خلال المؤسسات الرسمية المعنية بذلك، فإن ما عنيته في الطرح السابق يتصل بأهمية التأسيس والدعم لثقافة الإبداع في المجتمع السعودي. وعكس ذلك أي إذا تم التركيز فقط على رعاية المبدعين دون التأسيس لأرضية أو إطار اجتماعي داعم لثقافة الإبداع، فإن هنالك سلوكيات غير مستحبة سوف تظهر من خلال تعامل المجتمع مع الإبداع والمبدعين. من ذلك مثلاً النظرة السلبية وربما الإقصاء من قبل الآخرين للمبدع، والتي قد تقوده إلى الشعور بالحرج الاجتماعي كونه مبدعًا ومن ثم محاولة قمع أو إخفاء الموهبة سعيا لتحقيق مستوى من المرغوبية الاجتماعية.

إن الملاحِظ للثقافة السعودية ومدى دعمها للإبداع قد يخرج بانطباعات مختلفة، فمثلاً هنالك خصائص ثقافية يشترك فيها المجتمع السعودي مع غيره من المجتمعات الأخرى بالنسبة للنظر إلى الموهبة والإبداع. على سبيل المثال، المبدعون في المجالات الرياضية والفنية وربما الإعلامية يجدون دعمًا في كل المجتمعات البشرية تقريبًا في الوقت الحاضر، والمجتمع السعودي لا يختلف كثيرًا في هذا المقام عن غيره. من جهة أخرى فإن نصيب المبدعين في المجالات العلمية أو الأدبية من الدعم مقارنة بالفئة آنفة الذكر يعتبر أقل سواء عبر المجتمعات أو في المجتمع السعودي. لكن الراصد للفوارق الثقافية في دعم الإبداع عبر المجتمعات المختلفة، وإن انطلق من مسألة تساوي المجتمعات في تشجيع الإبداع بنسب متفاوتة تأسيسًا على المجال الذي توجد فيه الموهبة أو الإبداع، فإنه لابد وأن يلاحظ أن هنالك مجتمعات تسعى للاستثمار في الإبداع من خلال التأسيس الراسخ لثقافة إنسانية لا تشجع وتدعم الإبداع فقط بل تنتجه. والشواهد أمامنا ماثلة فالدول المتقدمة تقنيًّا انطلقت وتطورت عبر حقب تاريخية طويلة من ممارسات ثقافية تحترم وتدعم النتاج العقلي الإنساني، سواء في المنتج المادي الذي أضفى على الحياة سهولة أو المنتج الأدبي من خلال الرواج الكبير للأعمال الأدبية والمتمثل في نسب التوزيع العالية للكتب والمؤلفات عموما بأقنيتها المختلفة.

إن عدم التأسيس لثقافة إنسانية تنتج وتدعم وتشجع الإبداع قد يجعلنا ننظر إلى الأمور بسطحية ونعتبر أن احتفاليتنا بوجود موهوب في الأسرة أو المدرسة وفخرنا بذلك، وإن كان في الطريق الصحيح، يعد دعمًا للإبداع. ولا يفوتني أن أقول: إن الموضوع أي ثقافة المجتمع والإبداع بحاجة إلى دراسة علمية متعمقة ومتأنية للكشف عن العوامل الداعمة أو المثبطة للإبداع في المجتمع السعودي، وكذا الاستقراء الدقيق للممارسات الثقافية بكل ما تشمله من الناتج الكمي والكيفي للإنسان السعودي في ميادين المعرفة والفن والخلق والقوانين والأنظمة والعادات الاجتماعية وغير ذلك من مقومات الثقافة مع ربط الماضي بالحاضر عبر سلسلة نمائية اجتماعية-ثقافية. إن عملاً مثل هذا سوف يكون له دور في تسليط الضوء على موقع الثقافة السعودية على خارطة الإبداع الإنساني، وكذا المساعدة على الانطلاق بخطى راسخة نحو التأسيس لثقافة اجتماعية منتجة ومشجعة للإبداع.​

التغطية الإعلامية