دفاعاً عن رسولنا الكريم: بين الحوار وبناء الحضارة


"أيها السادة، استمعت لمحاضراتكم ومداخلاتكم على مدى يومين ويشرفني في هذه اللحظة أن أعلن وبكل ثقة: اعتبروني جنديا مسيحيا في خدمة النبي محمد والدفاع عنه!! كما أعدكم بأن أنقل ما استمعت إليه عن حقيقة الإسلام ونبيه الكريم إلى فخامة رئيس دولة البرازيل والمسؤولين والشعب البرازيلي". كانت تلك كلمات عضو البرلمان البرازيلي ديليجادو بروتوجينيس Delegado Protogenes في الجلسة الختامية لمؤتمر الحوار وأثره في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي عقدت في الرياض برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله. وفي هذه المقالة مقتطفات مما دار في ذلك المؤتمر ونظرات للاستراتيجيات المطلوبة في المرحلة القادمة كخطوة متقدمة في الحوار للدفاع عن سيد المرسلين. نبدأ مقالة اليوم من شمال أوروبا من أرض مقاتلي الفايكنج ومهد روايات رداء الإمبراطور وحورية البحر الصغيرة في الدنمارك. هناك وبعد نشر الرسوم المسيئة عن نبينا الكريم في 30 سبتمبر 2005م في صحيفة (يولاندس بوستن)، بادرت الهيئة العالمية للتعريف بالرسول (صلى الله عليه وسلم) بنشر إعلان كبير على صفحات ثماني صحف دنماركية كبرى بعنوان: هل حرية التعبير بلا حدود؟ وتم وضع عنوان الكتروني لاستقبال الردود من القراء. ويروي د.عادل الشدي رئيس الهيئة كيف أن أحد الدنماركيين أرسل جوابا مفاده: "إعلان سخيف من هيئة أسخف". فما كان من الإخوة إلا أن أرسلوا دعوة لاستضافة صاحب هذا الجواب الذي كان من رجال الأعمال الكبار هناك. وبعد الحوار الهادىء والمقنع بادر رجل الأعمال الدنماركي لتسهيل إقامة معرض دولي كبير للتعريف بالرسول الكريم في قاعة تاريخية عمرها 270 عاما في وسط العاصمة كوبنهاغن. 
وما زلنا في القارة الأوروبية العجوز، لكننا نعود بالزمن إلى أيام شبابها وريعان صباها في القرن التاسع الميلادي حين خرجت أجيال من الأسبان، يُسمّون تاريخيا "المستعربين أو المولدين"، والذين تعايشوا مع المسلمين وبدؤوا يعجبون بثقافتهم ولغتهم العربية. هذا الأمر لم يسر عددا من قادة الفكر النصراني المتطرف في قرطبة والذين دعوا شبابهم لحركة انتحارية تمثلت في تعمد الإساءة شفهيا للرسول صلى الله عليه وسلم علانية في الأسواق وأمام المساجد. وحاولت الدولة الإسلامية، تحت ظل حكم الأمير عبدالرحمن الأوسط رحمه الله، التعامل مع حركة التمرد هذه بالقوة الخشنة عبر إقامة الحد في هؤلاء المتطاولين. ولكن لما لم تثمر تلك الإجراءات بدأ القضاة المسلمون في التعامل مع المستهزئين على أنهم مجانين مع محاولة حوارهم وتليين مواقفهم. إلا أن العامل الفيصل الذي أسهم في القضاء على هذه المشكلة كانت كنيسة قرطبة في مجمعها عام 852م والتي أكدت استنكارها الشديد لتلك الحركة الانتحارية مع تحذير النصارى المخلصين من هذا الفكر الضال وإعلان التضامن مع الدولة الإسلامية في اعتقال كل من يخالف تعاليم كنيسة قرطبة.
ولعلنا نستخلص من هذه التجارب أعلاه وعبر التاريخ ما للقوة الناعمة والحوار من أثر لا تستطيع القوة الخشنة وحدها إحداثه. وإذا كانت كنيسة قرطبة قد وقفت موقفا يسجل لها فلا يجب أن ننسى كذلك موقف الفاتيكان المعلن في 3 يونيو 2006م وانتقاده الحاد لنشر الصور المسيئة في الصحف الأوروبية. ومن ناحية أخرى فأشير لما ذكره الباحث د.محمد حبش حول ضرورة المبادرة بعمل نضال حقوقي يجرم الإساءة لرسولنا الكريم والرموز الدينية حيث استشهد بما صنعه اليهود في تحركهم القوي في اقتراح قانون معاداة السامية ومن ثم تعميمه واعتماده في مختلف الأوطان، فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ولا شك في أن التمكن من استنان هكذا قانون سيسهل كثيرا من التعامل مع المرضى النفسيين والمتطرفين من مختلف الديانات والثقافات عبر القنوات الرسمية والنظامية عوضاً عن ردات الفعل غير المحسوبة والتي قد تضر أكثر مما تنفع من الأناس البسطاء.. ومن النقاط الرائعة التي تم تداولها في المؤتمر وأكدت عليها توصياته أن الدفاع عن سيد الخلق يتضمن الدفاع عن صحابته رضوان الله عليهم وأمهات المؤمنين وأهل بيته الأطهار مما يستلزم العمل الدؤوب وعلى المدى الطويل عبر الحوار والجدال بالتي هي أحسن.
وفي هذا المقام فعلينا ألا ننسى في خضم انشغالنا في الحوار مع الغرب أن العالم يتغير ومراكز القوى في العالم تتحول فجهدنا الحواري ينبغي أن يكون له مكانه مع الشرق الآسيوي وبقية قوى العالم الصاعدة. وحسنا فعل منظمو مؤتمر الحوار وأثره في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم في مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للدراسات الإسلامية المعاصرة وحوار الحضارات التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بدعوة أكثر من مائتي محاضر وضيف من أكثر من خمسين دولة مثلت توزيعا جغرافيا جيدا لمجموعة من الخبراء والمسؤولين. وكان من ضمن الوفد الياباني كبير المحللين السياسيين في محطة تلفاز الإن إتش كيه الرسمية لشؤون الشرق الأوسط أ.(ديجاوا نوبوهيسا) والذي أكد حرصه على نقل ما تعلمه عن رسولنا الكريم وديننا الحنيف للشعب الياباني عبر القنوات الإعلامية. وأعود في الأسطر القادمة للإجابة وبشكل مباشر عن السؤال حول المطلوب في المرحلة القادمة وما الخطوات المتقدمة عن الحوار للدفاع عن سيد المرسلين؟ بداية يجب أن نتذكر شيئا مهما ألا وهو أن من ينتقد رسولنا الكريم ويتجرأ عليه أو يحمل معلومات خاطئة إنما هو ينظر لواقعنا نحن مسلمي هذه الأيام. وقبل أن نعمل على تحسين الصورة أو الانطباع عن الإسلام فيجدر بنا أن نصلح من واقعنا كمسلمين. فمن السهل علينا أن نقول للآخرين فرقوا ما بين الإسلام كدين والمسلمين كمطبقين لتعاليمه. لكن من الصعب جدا أن تقنع الآخرين في الحوارات بهكذا منطق! وبكلمة أخرى فإن الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكون في المؤتمرات ومواقع الانترنت والبرامج الحوارية ووسائل التواصل الاجتماعي، فيجب أن يكون في المصانع والجامعات والمكاتب والمؤسسات والمحطات الإعلامية والمدارس والمعامل. إن تمكننا من أن نقدم للعالم النماذج التنموية الناجحة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية وغيرها استنادا على حضارتنا العربية الإسلامية سيكون خير برهان ودليلا عمليا على سمو ما علمنا إياه رسولنا الكريم وبذل حياته وصحابته الكرام من بعده لأجله. وإذا وصلنا لمرحلة يستشعر فيها كل فرد أن جهاده الأكبر في مكتبه ومصنعه ومدرسته وبيته هو خط الدفاع بل طليعة دولة وأمة كالجسد الواحد تقاتل كالبنيان المرصوص بتنسيق ونظام في سبيل التقدم والنماء واتخاذ أسباب القوة، وقتها سيكون بمقدورنا أن نسير بكل ثقة في الطريق إلى القمة. وسينقلنا ذلك من مرحلة ردة الفعل والدفاع عبر الحوار إلى مرحلة المبادرة والتعريف ونصرة خاتم النبيين وإمام المرسلين.
وأخيرا، في عام 1978م وفي كتابه (المائة: ترتيب أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ) صنف (مايكل هارت) رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى مؤكدا أنه كان ناجحا بامتياز في المجالين الديني والدنيوي حيث إن دوره في تطور الإسلام وصناعة حضارته كان أكثر تأثيرا بكثير من غيره من الشخصيات التاريخية المؤثرة. وسؤالي ترى ما هو تصنيفنا اليوم بين أكثر الأمم تأثيرا في الواقع المعاصر؟ والسؤال الأهم هو ماذا أعددنا، نحن يا أمة محمد، لمستقبل نكون فيه أكثر الأمم تأثيراً في العالم بإذن الله؟؟

التغطية الإعلامية