نظرية النص د. بدر بن علي العبد القادر

نظرية النص

د. بدر بن علي العبد القادر

أستاذ تحليل الخطاب المساعد

مدخل:

     من العسير تحديد ماهية النص وأبعاده الاصطلاحية لتنوع الاتجاهات وتعدد الرؤى، كونه فضاء لأبعاد مختلفة متعددة ومتنازعة، وعليه ظل النص محكوما بسلطتين: سلطة إنتاجه، وسلطة القارئ ، فهناك علاقة جدلية بين المبدع والمتلقي، وكل منهما يتمتع بسلطته. غير أن بعض المنظرين للمعرفة الأدبية واللغوية والفلسفية زهدوا في صنع تعريف ظاهر للنص ،كما يقول جيرار جينت:" لا أهتم بتعريفه على الإطلاق إذ مهما كان النص فبإمكاني أن أدخله، وأن أحلله كما أشاء"([1]).  ولذا اتسع مفهوم هذا المصطلح وتشعب حقله تشعبا تجاوز أي حقل معرفي آخر، فأصبح النص كيانا منسوجا من الملصقات والإضافات، مكونًا من علاقات مختلفة، فالباحثون لإشكالية النص يتوزعون على ثلاثة فئات في النظر إلى النص:

أ- يذهب جماعة منهم إلى تعريفه مباشرة من خلال مكوناته، يمثلهم تودوروف، فالنص في رأيه نظام تضميني يستطاع التمييز بين مكوناته على ثلاثة أوجه: ملفوظي، ونحوي، ودلالي، وهو يوازي النظام اللغوي ويتداخل معه.

ب- قسم ثان يعرفه من خلال ارتباطه مع الإنتاج الأدبي، ويمثله رولان بارت وجوليا كريستيفا، فالنص في مفهومهما نسيج من الكلمات المنظومة في التأليف والمنسقة بشكل ثابت، أهم مهماته إنه يضمن بقاء الشيء المكتوب، وهو مرتبط تاريخيا بعالم أكمل من النظم :القانون والأدب والدين والتعليم.

ج- يذهب قسم ثالث إلى ربطه بفعل الكتابة يمثله بول ريكور، فالنص من منظور لساني، هو كل خطاب تثبته الكتابة، إذ هو أداء لساني وإنجاز لغوي يقوم به فرد معين.

     وعلى أية حال، فالنص ظاهرة رمزية تتحدد ماهيته من خلال علاقته مع خارجه، ويتعين بفعل مكوناته الداخلية وهو ليس مجرد مجموعة من الرموز اللغوية، بل إنه بنية معقدة متعددة المستويات، أي: تشكيلة كثيفة من علاقات الربط اللغوي والدلالي والتماسك المنطقي، تتداخل فيها مساحات من الإيحاءات النفسية والاجتماعية والتاريخية وغيرها([2]). ولا يزال مفهوم النص يستخدم بشكل مختلف، فمن ناحية يفهم النص من زاوية المنتج على أنه تحقيق لغوي لحدث شمولي، أي: أن النص يفهم في هذا الجانب على أنه وجود ذهني، يتحقق لغويًّا في عملية إنتاج النص خطوة خطوة. ومن ناحية ثانية يلقي الضوء على النص من زاوية المفسر، ويوضح في ذلك بشكل خاص، كيف ينشأ من النص مرة أخرى تمثيل ذهني، أي: تمثيل معنى النص أو وظيفة النص في وعي المفسر. وأحيانًا  يعتمد مفهوم النص على محصلة النشاط اللغوي، على الحضور الممثل كتابيا أو شفهيًا، والقابل للملاحظة ([3]).   وعليه يشير هاينه وزميله إلى أن نظرية النص تشمل ثلاثة مجالات نظرية كبيرة، وهي:

  • نظرية القواعد، ونظرية المعجم، التي تدرس أنساق المعرفة الظاهرة في النص.
  • نظرية السلوك اللغوي، فتوضح في المقابل البناء والإجراءات الآلية الضرورية لإنتاج النص وتفسيره.
  • نظرية إنشاء النص، وتوضح مبادئ تنظيم أبنية النص الشمولية، وكذلك صفات أنواع النص([4]).
    و:" تنظر نظرية النص إلى النص بوصفه وحدة كلامية تامة، مستقلة نسبيًّا، يحققها المتكلم بهدف معين، وفي إطار ظروف مكانية وزمنية محددة، ويفرق بينهما مجرد توالٍ لأي عدد من الجمل"([5]). وهذا القول يحتاج إلى التعاطي معه بحسب الخلفية التي ينظر على أساسها إلى ما هو (النص). فالنصوص – حسب رأي هيلمسليف- هي التي تهم نظرية النص، غير أن (النص) بالنسبة له من جهة التعريف غير محدد، فليس هو الوحدات اللغوية، وليس النصوص المفردة، بل مجموعها الحقيقي والمحتمل، أي: أنها نوع من (الكلام) و (الأداء)، فالنص إذن تلازم باللغة بوصفها نظامًا، في حين أن (النص) عند هاريس: تتابع من جمل كثيرة ذات نهاية، دون أن يشير إلى العمليات المشكلة للنص، وهو عند هلبش تتابع متماسك من الجمل، على نحو أدق من الوحدات النصية ([6]).ويشير إيزنبرج إلى النص على أنه تتابع (سلاسل)  مترابط من الجمل، ويستنتج من ذلك أن الجملة بوصفها جزءًا صغيرًا ترمز إلى النص، ويمكن تحديد هذا الجزء بوضع نقطة أو علامة استفهام أو علامة تعجب، ثم يمكن وصفها على أنها وحدة مستقلة نسبيًا، وهذا التعريف يوحي أن التتابع المترابط من الجمل، أن مصطلح (مترابط) يمكن أن يُقصد به:
  • الترابط النحوي: (السبك).
  • الترابط المفهومي (الحبك).
    ومن خلال هذين المعيارين تترابط أجزاء النص، وهما المعياران المختصان بالنص عند إيزنبرج، وتتسق في مجملها مع العناصر التي تتكون منها كليات النص، بالإضافة إلى عناصر لغوية وغير لغوية، كالتنغيم ونبر الحملة وغيرها([7]).
    ويخلص زتسيسلاف إلى محاولة تعريف النص تعريفًا جامعًا لكل التصورات التي عرضت لتعريف النص، فيقول:" نفهم تحت (نص) مكونًا لغويًا أفقيًّا نهائيًا، مقصودًا به التطابق لواقعة التواصل المختصة، فيصير من خلال الدمج الإنجازي وأوجه التناظر الدلالية الموضوعية، والترابطات النحوية تتابعًا متماسكًا من الجمل"([8]).
            لقد اختص علم النص بتحديد الملامح والسمات المشتركة بين النصوص ووصفها وتحليلها استنادًا إلى معايير مختلفة، والكشف عن أوجه الاختلاف والفروق الفردية الدقيقة بينها (الخصائص المميزة لها)، وتحديد العلاقة التي تحكم حركة الانتقال من المستوى العام إلى مستويات خاصة، وإبراز الإمكانات التي أتاحها النظام اللغوي في لغة بعينها ليتمكن منتج النص من تشكيل أبنية خاصة لا تخرج عن جوهر القواعد التي يحددها النظام.
              ووحدات النص تختلف باختلاف المستوى المدروس، فإذا كانت الوحدات الصوتية والصرفية وحدات ثابتة يحددها النظامان الصوتي والصرفي في لغة معينة، فإن التبادلات والإيقاعات التي تنتج عن اختيار معين لا توصف بالصرامة والوجوب، فالعدول عن أبنية إلى أبنية أخرى ذات دلالات معينة لا يعود إلى النظام، وإنما يعود إلى كفاءة المنتج، وقدرته على تشكيل أبنية اللغة تشكيلاً إبداعيًّا.أما البنية النحوية فلها قدر من الحرية، لذا تجيز كثيرًا من أشكال العدول والتحول من أبنية نمطية إلى أبنية غير نمطية، وعلى المتلقي (المفسر) الكفء اكتشاف أسباب أوجه العدول من خلال ربط هذه الوحدات بالعلاقات الناتجة عن كل تغيير، والسياقات التي تتناسب مع هذه الأبنية، والمقامات التي تميز بين التراكيب([9]).
            أما الدلالات بأنواعها: ( المباشرة، وغير المباشرة، ودلالة إشارية، وإحالية، وإيحائية، واستدعائية) فطاقات غير محدودة، إذ إنه ينظر إلى الكلمات من منظورات متغايرة، وينتقل في تحديد المعنى من أسلوب إلى آخر، غير أن هذه الدلالات تشترك في مركز واحد وبينها علاقات يناط إلى المفسر مهمة تتبعها وإيضاحها، ومتى ما تم الربط بين المعاني الحقيقية والمعاني الجزئية فإنه يمكن النظر إلى النص اللغوي بوصفه نصًّا في موقف أو حدثًا اتصاليًّا أو شبكة من العلاقات الناتجة عن تضافر نظمه بمستوياتها المختلفة، وتكون المهمة التي يُطمح إلى تحقيقها وإنجازها هي مناقشة النص في سياق الإبلاغ الأدبي من حيث إنتاجه، والاستقبال، والعوامل الأدبية الاجتماعية والنفسية التي تؤثر في النص أو الخطاب ([10]).
            فالمعنى الكلي للنص –حسب رأي د. بحيري – أكبر من مجموع المعاني الجزئية للمتواليات الجملية التي تكونه، ولا تنجم الدلالة الكلية له إلا بوصفه بنية كبرى شاملة، فالنص ينتج معناه بحركة جدلية وتفاعل مستمر بين أجزائه، ومن ثم ينظر إلى ذلك الانسجام الداخلي بين الدلالات الجزئية، لاستخراج المعايير التي يجب أن تفيء بها النصوص: كيف ينتج النص ؟ . كيف يستقبل؟ . كيف يستخدم في سياق؟ .ما وظيفة هذا النص ؟. وقد حدا هذا التصور بالباحثين إلى ضرورة العناية بطرح المعايير التي يمكن أن تطبق على النصوص من خلال رؤية شاملة يمكن أن يُطلق عليها: "نظرية النص".
            ولما كانت النظريات السابقة تعنى بالمستويات اللغوية المختلفة، ولكنها تتعامل مع أجزاء فإن نظريات الجملة لم تسلم من وصف والخلاف حول ما يجب أن تضمه من عناصر، وما يجب أن تهمله لخروجه عن حدود الوصف والتحليل، أو يمكن معالجته في مستويات أدنى منها بصورة أكثر دقة وعمقًا. وهذا لا يعني أن نظريات النص مستقلة عن تلك النظريات، بل إنها مشتقة منها، وتضم مكوناتها الأساسية (الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، والأسلوبية) ولكنها أبعدت إلى ما وراء الجملة، فتطلبت تلك الرؤية إدخال عناصر جديدة أو عناصر كانت معزولة، ومن ثم يمكن تفسير اختلاف علماء النص في ماهية  (نظرية النص) وأجزائها إلى أنهم استندوا إلى نظريات المدارس اللغوية السابقة، ثم ادخلوا بعض التعديلات التي تميزها  عن المبادئ الآلية، مما يدل على رباط وثيق بينها وبين نظريات النص بوجه عام.
            ويبرز الخلاف في التصورات من خلال متابعة مفهوم مصطلح (نظرية النص) لدى بعض علماء النص ، فقد ذهب أيزنبرج إلى أن نظرية النص تبنى على أساس قواعد تناص توليدية ومعلومات إحالية يمكن أن يكون لأجزائها وظائف اتصالية. بينما أشار وندرليش إلى النظرية من خلال أشكال نصية ممكنة ذات قواعد جزئية تداولية قوية، ونحا بتوفي إلى أن مهمة نظرية النص أن تنص على وصف جوانب كلية للنصوص موضع الدرس اللغوي، محاولاً أن يسخر مكونات النحو  التحويلي وتصوراته في نظرية نصية، غير أنه وجد أن ذلك التفسير الدلالي ينشأ أصلا في نظرية تشومسكي عن المكون النحوي الذي يربط بين المكونين: الصوتي في الصورة المنطوقة، والدلالي في الصورة العميقة لها، ولكن يظل لهذا المكون الدور الرئيس في نظريته؛ لأنها نظرية نحوية في المقام الأول، إذ يتولد التركيب النحوي أولا، ثم يتم التفسير الدلالي من خلال المكون الدلالي، خلافًا لنظرية الدلالة التوليدية، حيث يكون تركيب (بنية) الأساس تمثيلاً للمعنى، ثم يتولد فيما بعد الشكل (الصيغة) النحوي.
            وقد قام بتوفي بمحاولات مستمرة من خلال نقده لنظريات لغوية سابقة؛ لبيان أهم المكونات التي يجب أن تتضمنها أية نظرية نصية تتعامل مع النص بوصفه وحدة كلية، حتى انتهى إلى نظرية موسعة أطلق عليها "نظرية بنية النص وبنية العالم" وهي محاولة – كما يرى درسلر -  لتقسيم الجوانب المختلفة للنص من خلال وسائل تمثيل مستقاة من الجانب المنطقي الصوري (الشكل) فاستمر في إدخال عناصر أخرى تتعلق بمستخدمي النص أكثر من النص نفسه بوصفه عملاً خلاقًا (إبداعيًّا) مستقلاً، مما اضطره إلى الاعتماد على مفاهيم منطقية ورياضية معقدة، فأعد قواعد ولوغاريتمات لعمليات مثل: الصياغة والتأليف والتركيب، والوصف، والتفسير، والترجمة، ومعالجة المكون الدلالي بإحالة النص إلى أشياء أو مواقف في العالم، حتى تشكل ذلك التصور في إقامة علاقة جوهرية بين واقع داخلي وواقع خارجي للنص.أما شميت فقدم تصوراته في عمل مستقل عن (نظرية النص) غير أنه عُني بإدخال عوامل توليدية تداولية إلى جانب العوامل اللغوية، والربط بين مفهومي النص والحدث الاتصالي، والربط بين أجزاء من نظرية الاتصال ونظرية النص، فكانت نظرية النص مفسرة للاتصال اللغوي، تعنى ببحث إنتاج النصوص وتلقيها ( نصوص موظفة توظيفًا اتصاليًّا).لذا كان حد (تعريف) النص عنده: هو كل تكوين لغوي منطوق من حدث اتصالي (في إطار عملية اتصالية) محدد من جهة المضمون، ويؤدي وظيفة اتصالية يمكن إيضاحها، أي: يحقق إمكانية قدرة إنجازية جلية، ومن خلال وظيفة إنجازية يقصدها المتحدث، ويدركها شركاؤه في الاتصال، وتتحقق في موقف اتصالي ما، حيث يتحول المنطوق اللغوي إلى نص متماسك، يؤدي بنجاح وظيفة اجتماعية اتصالية، وينتظم وفق قواعد تأسيسة ثابتة.
            بينما ناقش سوينسكي فروض بناء  (نظرية النص) وإمكاناتها على أسس تداولية ودلالية منطقية، وسعى إلى تطوير نموذج لعلم لغة النص لا يلحق فيه مستوى النص بمستويات لغوية أخرى بصورة تكميلية، وبحث نظامه بحثًا لغويًّا، يفسره في إطار نظرية النص تفسيرًا اصطلاحيًا، بحيث تصبح علاقاتها محددة بعضها ببعض، ومفسرة للعمليات التي تنشا عن الاتصال اللغوي.
            وكان لـ فاندايك محاولات لوضع أطر نظريات يتعلق بعضها بتحديد الخصائص البلاغية، والأخرى بالأبنية النصية، فقد طرح الحجج التي تستوجب دراسة بعض المشكلات في إطار نحو النص، التي لم تعالجها بحوث نحو الجملة بصورة واضحة، وذهب إلى أنه يمكن تحديد الخصائص البلاغية من خلال عمليات معينة تتم في مستويات معينة، ويجب أن تطبق على مستويات الصوت، والنحو، والدلالة، وكان موضوع دراساته نصوص أدبية وشعرية، على أن المستوى النحوي عنده يضم عمليات صرفية أيضا، لاتساع مفهوم النحو عنده، فظهر عنده عمليات صرفية معجمية، وعمليات صرفية نحوية، كالإضافة، والحذف، وإعادة الترتيب، والاستبدال.
            أما العمليات البلاغية فأمكن تأويلها بإحدى طريقتين:
  • باعتبارها عمليات نظرية تجريدية، تستهدف وضع أبنية محددة وعلاقاتها المتبادلة.
  • على أساس أنها مجموعة من الإجراءات المعرفية لإنتاج الأقوال النصية التي تتجلى فيها.
    فمنهج نظريته يبدأ بتحديد الأشكال الصوتية والأشكال النحوية، ثم الأشكال الدلالية، ثم معالجة النصوص الواردة تحت كل مجموعة من هذه الأشكال من خالا العمليات الرئيسة، وتلك العمليات تعود إلى النحو التحويلي أساسًا، ولن يرجع الفضل إلى فندايك من النحو إلى البلاغة ثم إلى النص، وقد عدلها بما يتفق مع طبيعة البحث النصي.
            وبدأ بالتساؤل عن الكيفية التي يبدأ بها توليد نص ما من فكرة أساسية ما،  ثم تطورها على التدريج إلى معان تفصيلية، تمتد إلى أبعاد نصية جزئية بطول الجمل، تسير نحو عمليات أخر لتنقية الفكرة الأساس ، مثل: الحذف، والاختيار، والتعميم، والتركيب، والبناء، وتتم العملية الأولى بحذف جزء من المادة، والعملية الثانية بالإبقاء على بعض المعلومات وحذف بعضها الآخر، ويتم في العملية الثالثة تحويل المادة إلى شكل أكثر تصورًا وعمومية، في حين تتولى العملية الرابعة خلق مادة جديدة لعرض التمثيل الدلالي بصورة أكثر تماسكًا.
            على أن فندايك أدخل في نظريته عناصر مهمة تتعلق بمستوى المنتج، ومستوى المتلقي، واختلاف المعارف، والاهتمامات، وأشكال الاتصال، وعمليات التلقي، والتذكر، والتماسك الجزئي، والتماسك الكلي للنص، وأشكال الانحراف، والتتابع الخطي للجمل، والعلاقات الداخلية بين الجمل المتوالية، والترابط بين الأبنية الصغرى، والأبنية الكبرى الكلية، وكيفية تخزين المعلومات واسترجاعها، وأوجه الفرق بين عمليات الذاكرة قصيرة المدى، وعمليات الذاكرة طويلة المدى، وطرق الفهم والتفسير، وغيرها من العناصر التي تبرز تداخل علم النص مع علوم أخرى.
            أما روزنجرن فرأى أن نظرية النص تختص بأوجه الاطراد التي تشترك فيها كل النصوص، وهي التي تحدد نصية نص ما، وليس علم لغة النص – في حقيقته – إلا نظرية جزئية من نظريات النص، فهو لا يصف إلا أوجه الاطراد اللغوية التي يجب أن تكشف عنها نصوص ما بصفتها وحدات لغوية، كي تكون نصوصًا متماسكة أساسًا، ومنها علاقات الربط والإحالة في النص.
            فهو يرى أن علم لغة النص لا يمكنه وحده أن يقدم نظرية نصية كلية؛ لتركيزه على أوجه الاطراد بشكل أساسي، وربما ظهر تفسير ذلك في المحاولات المتكررة لإدخال عناصر غير لغوية في نظرية النص، غير أنه يحدد مهمته بدقة في إظهار أوجه التماسك بين النصوص بوصفها وحدات لغوية، والكشف عن علاقات الربط النحوي، والترابط الدلالي، والعلاقات الإحالية والإشارية، وغيرها من العلاقات المتمثلة في مستوى الجملة والظروف المحيطة بها
            وحاول إيجور ملتشوك معالجة العلاقة بين المعنى والنص في إطار نظرية نحوية الأساس، معتمدًا على تصورات تشومسكي، فقد ذهب إلى أن الانتقال من بين المعنى والنص ينبغي أن يكون العملية المركزية للنموذج الأول (أي: كيف يعبر عن معنى ما في نص ما ؟) أو كيف يتحقق المعنى من خلال النص ؟ وعليه يجب أن يكون المعنى واضحًا في قدرة المتكلم وكفاءته، في التعبير عن الفكرة ذاتها بطرق مختلفة، وأن يتعين ذلك في قدرة السامع، وفي قدرته على الفصل بين منطوقات مترادفة متباينة من الناحية الشكلية بصفتها ذات معنى واحدًا، وهو هنا – حسب رأي درسلر – قد عرض تمثيل المعنى مع نحو خاص به، أي: نظام متصل لا يظهر في المنظومة النحوية، أي: أن ملتشوك سعى إلى وضع تصور مستقل للنحو، يمكن أن يصل من خلاله إلى البنية العميقة التي تتجلى في أبنية سطحية متحولة عنها، وقد اقتصر ذلك إلى تصور خاص للجملة المفسرة أو الشارحة، فهو يرجع أساسًا إلى النحو التحويلي لشومسكي، إذ إنه عولج في إطار الكفاءة اللغوية لابن اللغة على التمييز بين جملتين أو أكثر تعنيان الشيء نفسه، أو تنقلان المعلومات ذاتها، ولكنه سعى إلى إنشاء نموذج لغوي بناء على سلوك الإنسان المحاك بطريقة آلية محضة.
    ختامًا:
            وعلى الرغم من إدراج علماء النص لعناصر من الأنحاء التحويلية التوليدية كما هو الحال لدى بتوفي، وفندايك، و ملتشوك  إلا أنهم عدلوا تصورات تلك العناصر وربطوا بينها وبين عناصر دلالية وتداولية تعنى بالتفاعل الحقيقي بين النصوص ومنتجها ومتلقيها بوصفها أحداثًا اتصالية، غير أن بعض نظريات النص دفعت ببعض العمليات الخاصة بوصف النصوص وتحليلها إلى متاهة الإبهام والغموض؛ لقيامها على عناصر معقدة وغير ثابتة، كما عند بتوفي حين جنح إلى الميل إلى إدخال عناصر أخرى تتعلق بمستخدمي النص أكثر من النص بوصفه عملاً إبداعيًا، فأسس (المعجم) الذي يضم الذي يضم في الأصل أقل قدر من قائمة المفردات المحددة للنص المطروح بكثير، على نحو يحتوي فيه دائمًا على (معرفة حياتية) أكثر بالنسبة لتنظيم العالم بوجه عام، ولا تظهر الحالة المنطقية إلا حين نراعي تفاعله مع المعرفة المسبقة لمستخدمه، بالإضافة إلى اعتماده على مفاهيم منطقية ورياضية معقدة([11]).
    مراجع المقال:

([1]) انظر: ربورت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ترجمة د. تمام حسان، الطبعة الأولى، 1998، عالم الكتب، القاهرة: صفحة 13.

([2]) حسين محمد حماد، تداخل النص وصوره في الرواية العربية، الطبعة الأولى،1997، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة : صفحة 30.

([3]) فولفجانج هاينه، وديتر فيهفيجر، مدخل إلى علم اللغة النصي، ترجمة د. فالح بن شبيب العجمي،الطبعة الأولى، 1419 هـ مطابع جامعة الملك سعود، الرياض : صفحة 169.

([4]) المرجع السابق : صفحة 173.

([5]) زتسيسلاف واورزنياك،  مدخل إلى علم النص- مشكلات بناء النص، ترجمه وعلق عليه أ.د. سعيد بحيري، الطبعة الأولى، 2003م، مؤسسة المختار، القاهرة: صفحة 53.

([6]) المرجع السابق: صفحة 53، 54.

([7]) أشرف عبد الكريم، العناصر الأساسية المكونة لنظرية النص (لنظرية ايزنبرج نموجًا) مجلة علوم اللغة، المجلد التاسع، العدد الرابع، 2006، دار غريب، القاهرة: صفحة 53.

([8]) زتسيسلاف واورزنياك، مرجع  سابق: صفحة 60.

([9]) علم لغة النص- المفاهيم والاتجاهات، أ.د. حسن سعيد بحيري، الطبعة الأولى، 2004، مؤسسة المختار، القاهرة: صفحة 70.

([10]) العربية من نحو الجملة إلى نحو النص، سعد مصلوح، ضمن الكتاب التذكاري لذكرى عبد السلام هارون، 1999، كلية الآداب، جامعة الكويت: صفحة 409 ، 410. بالإفادة من علم لغة النص- المفاهيم والاتجاهات، مرجع سابق: صفحة 71.

([11]) علم لغة النص- المفاهيم والاتجاهات، مرجع سابق: صفحة 70- 80 بتصرف.

التغطية الإعلامية