لغتنا العربية واللسانيات الحاسوبية (علم اللغة الحاسوبي) د.عبدالعزيز عبدالله المهيوبي


لغتنا العربية واللسانيات الحاسوبية (علم اللغة الحاسوبي) د.عبدالعزيز عبدالله المهيوبي
منذ ظهور الحاسوب في أواخر الأربعينيات وصلته باللغة تتوثق وتتأصل؛ فاللغة تقع في قمة الموضوعات التي تهتم بها العلوم الإنسانية. والحاسوب هو ذروة التقنيات الحديثة، لذلك كان من المنطقي بل من الحتمي أيضاً أن تلتقي اللغة والحاسوب، وذلك لسبب أساسي وبسيط، وهو كون اللغة تجسيداً لنشاط الإنساني الذهني في الوقت نفسه الذي يتجه فيه الحاسوب نحو محاكاة بعض وظائف الإنسان وقدراته الذهنية،
ومنها اللغة في مستوياتها كافة: (الصوت، والصرف، والتركيب، والمعجم) بالإضافة إلى مستويات استعمالية أخرى.
هو علم يلم الشمل بين علمين قد تبدو المسافة بينهما متباعدة، هما علما اللسانيات والحاسوب. وقبل أن نسترسل في الحديث عن علم اللغة الحاسوبي أرى أنه من الضروري إعطاء فكرة بسيطة عن علم اللغة أو ما يعرف باللسانيات.
فاللغة هي أوضح خصائص الإنسان وأكثرها تمييزاً له بين سائر المخلوقات، كما أنها ليست مجرد نظام يقوم بتوليد الأصوات والتي هي بدورها تقوم بنقل المعنى، بل اللغة مرآة للعقل البشري، ووعاء للمعرفة.
لقد ظهر في بداية القرن العشرين علم جديد تُرجم إلى عدة مصطلحات في اللغة العربية هي: علم اللغة الحديث وعلم اللغة العام واللغويات واللسانيات، وهو علم يبحث في وضع صياغات شكلية ومنطقية تصف اللغة وتفسرها، فاللسانيات هي العلم الذي يدرس مجموعة القوانين المكونة للظاهرة اللغوية والمولدة لها.
وقد ازدهر هذا العلم الجديد في منتصف القرن على يد العالم اللغوي الشهير أفرام نعوم تشومسكي Av
ram Noam Chomsky الذي قدّم نظريته الشهيرة
(النظرية التوليدية التحويلية) لقد بلغت نظريته اللغوية درجة لم تبلغها الدراسات اللسانية السابقة عليها، لما قدّمته من مساهمات عميقة في حقل الدراسات اللغوية الحديثة، لقد أجاب من خلال نظريته عن مجموعة من التساؤلات حول اللغة وأصلها وعلاقتها بالفكر، لغرض معرفة نظام العقل البشري وطبيعته، حيث كانت هذه الجوانب قد أقصيت من الدرس اللساني، لدى مدارس لسانية كثيرة خاصة المدرسة البنيوية والسلوكية.
لقد انفتحت دراسات تشومسكي على مجالات وحقول معرفية جديدة، مثل علاقة اللغة بالرياضيات، والدلالة والبيولوجيا وعلم النفس، لدرجة أنه اعتبر اللسانيات فرعاً من فروع علم النفس المعرفي.
لقد مكّن تشومسكي علماء اللغة من إيجاد النظريات والأساليب المختلفة والمتنوعة في صياغة اللغة شكلياً، وذلك من خلال نظريته الشهيرة وفيها صياغة غير نمطية للغة أساسها علاقات شكلية ومنطقية بسيطة.
لقد كانت هذه النظرية تمهيداً لاستخدام تلك الصياغات في تصميم أنظمة حاسوبية تتعامل بلغة البشر؛ حيث استفاد المختصون في علم الحاسب من الصياغات الشكلية للغة التي وضعها علماء اللغة لتطبيقها حاسوبياً، فوجود الصياغة الشكلية الرياضية شرط لبناء التطبيقات الحاسوبية.
تعريف علم اللغة الحاسوبي:
هو دراسة الجوانب الحاسوبية للغة والمشاكل الشائعة التي تواجه المعالجة الحاسوبية للغة في صورتها المكتوبة أو المنطوقة، كما تُعرَّف اللسانيات الحاسوبية بأنها علم دراسة أنظمة الحاسب بهدف فهم اللغات الطبيعية وتوليدها وتحليلها.
إذن علم اللغة الحاسوبي علم مخصوص وليد التطورات التكنولوجية المتقدمة، كما أنه علم دقيق يعرض لآخر النظريات والتطبيقات الحاسوبية؛ بحيث يلتقي فيه الجانب النظري اللساني بكل خلفياته المعرفية والمنهجية مع الجانب التكنولوجي المعلوماتي بكل تطوراته ليصوغ لنا علم اللغة الحاسوبي أو ما باللسانيات الحاسوبية، فهو علم جديد يحتاج من يؤصل له من خبراء من الطرفين، فلا يستطيع أهل اللغة التفرد بتأسيسه ولا أهل الحاسوب كذلك.
ومما لاشك فيه وجود ارتباط كبير بين اللغات الطبيعية والتكنولوجيا الحديثة؛ حيث إن دماغ الإنسان مزود بنظام رباني فطري يقوم بتخزين اللغة واسترجاعها عند الضرورة، فالنظام اللغوي البشري مبني على شكل حاسب له مدخلات ومخرجات، ففي مرحلة المدخلات تتم عملية تحليل المداخل والبنيات اللغوية إلى أجزاء الخطاب، وذلك من خلال قواعد بيانات لجميع البنيات اللغوية اكتسبها الإنسان وقام بتخزينها على شكل خوارزميات وقوانين حسابية صورية.
أما في مرحلة المخرجات فتتم عملية توليد المداخل والبنيات اللغوية وإنتاجها بشكل لا نهائي، حيث يتم عرضها على الخوارزم بعد تحليلها تمهيداً لعملية التواصل.
إن معالجة اللغات الطبيعية حاسوبياً ليس بالأمر الهيّن، بل يتطلب الكثير من الجهد كما يحتاج إلى فرق بحث متخصصة ذات تصور كامل حاسوبياً ولغوياً، فمعظم الأنظمة والبرامج المجربة على اللغات الإنسانية لم تسلم حتى الآن من الكثير من المشاكل والصعوبات سواء على المستوى المنهجي أو الصوري للغة.
فالباحث في علم اللغة الحاسوبي يحتاج إلى التسلح بأسس نظرية لسانية مع ضرورة الإحاطة بجوانب تقنية تضيء له الطريق أمام الوصف والمقارنة للوصول إلى المنهج الصحيح والأكثر واقعية في وصف جزئيات الخطاب اللساني، وفي المقابل نحن بحاجة إلى تطويع اللغات الإنسانية لتصبح أداة طيّعة في يد الحاسب وخوارزمياته.
فالعمل في حوسبة اللغات الطبيعية يتطلب التمكن من نوعين من المعرفة هما: المعرفة الدقيقة لجميع جزئيات النظام اللغوي وفق أحدث النظريات والقوانين اللسانية الحديثة، كما يتطلب الإحاطة والإلمام بالمعرفة الحاسوبية ذات العلاقة بمعالجة اللغات الطبيعية لا سيما في جانبها البرمجي المنطقي، فالحاسوب أو الآلة هي منظومة برمجية منطقية تقوم على مجموعة من الخوارزميات الدقيقة، فلا يمكن أن نتقدم في مجال البحث في الحوسبة اللسانية حتى نجمع بين هذين النوعين من المعرفة.
بدأت فكرة الربط بين اللغة والتكنولوجيا في أواسط الخمسينيات وبدايات الستينيات وذلك عندما بدأ العلماء في وضع برامج للترجمة الآلية وقدم العلماء كل ما لديهم من إمكانات تكنولوجية لخدمة هذا المجال البحثي الدقيق والبكر، وقد كانت بحوث العلماء تتركز في بناء لغات البرمجة ووضع الخوارزميات وكذلك الذكاء الصناعي.
وكانت هذه المجالات تتقاطع بطريقتها الخاصة مع اللسانيات العامة وطريقتها في التعامل مع بنية اللغات الطبيعية. تبين فيما بعد أن اللسانيات توظف الأدوات نفسها المستخدمة في الترجمة الآلية في معالجة اللغة التي كانت بدورها هي الموضوع المشترك بينهما.
بعد فترة تأسس ما نعرفه اليوم بعلم اللغة الحاسوبي؛ حيث صمم الخبراء محللات ومولدات تركيبية، كما بنيت قواعد صورية تركيبية كثيرة لهذا الغرض، كما وضعت خوارزميات لغوية، كل ذلك أدى إلى وضع نظريات علمية في إطار علم اللغة الحاسوبي.
تطور هذا المجال الجديد ليصبح له اسم آخر يُعرف به هو تكنولوجيا اللغات أو الهندسة اللسانية.

التغطية الإعلامية