من الإنصات إلى الشراكة: (حين تصنع التجربة الشخصية فارقا في الصحة النفسية)
في العاشر من أكتوبر من كل عام، يقف العالم متأملا في مسارات الصحة النفسية، لكن احتفاء هذا العام يحمل تحولا جوهريا يتجاوز مجرد رفع الوعي التقليدي أو إطلاق عبارات التعاطف؛ إذ تنطلق الرسالة الأبرز اليوم من شعار اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يمكن ترجمته إلى: «لننصت إلى أصوات من يعيشون التجربة، من أجل إحداث تغيير في صميم الواقع».
ينطلق شعار هذا العام من مرتكزات مهمة في توجيه الرعاية الصحية النفسية، وتعزيز الصحة العامة، وصياغة سياساتهما، ومن أبرزها الاعتراف بالتجربة الشخصية بوصفها مصدرا معرفيا يسهم في المشاركة في العملية العلاجية، ووضع الخطط المستقبلية والسياسات الرامية إلى تعزيز الصحة النفسية.
فالعدالة والفاعلية تقتضيان تجاوز المشاركة الشكلية، وكسر النمط التقليدي الذي يُبقي أصحاب التجارب بعيدا عن دوائر صنع القرار؛ فالألم والتحدي ليسا مجرد قصص تُروى، بل هما معرفة حية وخبرة واقعية تثري الدراسات النظرية والبحوث العلمية، وتمنحها بعدا إنسانيا وتطبيقيا أعمق. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن من عاش التجربة أقدر على كشف الثغرات في منظومة الدعم، وأجدر بالمشاركة في تصميم خدمات تحترم كرامة الإنسان الذي يعاني من ضغوط نفسية واجتماعية، وتلبي احتياجاته الحقيقية في مواجهة التحديات المستقبلية. كما أن احتضان الفرد داخل نسيجه الاجتماعي، ودعم الأساليب العلاجية والوقائية القائمة على مساندة الأقران، يمثلان سدا منيعا أمام الوصم والتهميش، ويؤسسان لمنظومة رعاية نفسية قائمة على الحقوق والشفافية والمساءلة.
وفي هذا اليوم العالمي للصحة النفسية، لا يكفي أن نفتح آذاننا للإنصات، بل علينا أن نفتح الأبواب للشراكة الحقيقية، وأن نعمل معا وفق المبدأ الإنساني الراسخ: (لا شيء يُصنع لنا بمعزل عنا). فبناء نظم صحية إنسانية وعادلة لا يتحقق بتقديم الرعاية للأفراد بمعزل عن آرائهم، بل بالعمل جنبا إلى جنب معهم، وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في صياغة الحلول وتطوير الخدمات. وينعكس هذا النهج على مختلف مجالات الإرشاد النفسي والاجتماعي والمهني.
وهنا يبرز تساؤل جدير بالتأمل: هل يمكن أن يمتد هذا المنهج التشاركي إلى مختلف المجالات، بحيث نصغي إلى صوت كل من خاض التجربة أو مارس العمل، ونستثمر خبراته ومعارفه في تطوير الممارسات وصناعة القرارات وبناء مستقبل أفضل في مجاله؟
والجدير بالذكر أننا، ولله الحمد، ننعم بفضل الله، ثم بما توليه حكومتنا الرشيدة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين - حفظهما الله- من دعم كبير للقطاع الصحي، واهتمام متواصل بتعزيز جودة الحياة والصحة النفسية في مختلف المراحل العمرية. ويتجلى هذا الاهتمام في الاستفادة من الخبرات والتجارب السابقة، وبناء السياسات وفق منهجية تشاركية متكاملة، من خلال المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية، وغيره من القطاعات الحكومية وغير الربحية، التي تتكامل جهودها لتحقيق أعلى مستويات الصحة والرفاه وجودة الحياة.
د. عبدالله بن عبدالرحمن الاسمري
وكيل الجامعة للشؤون التعليمية
رئيس اللجنة الدائمة لتعزيز الصحة النفسية