وطنٌ طموح... وأثر ممتد

حين نتأمل مسيرة التنمية التي تشهدها المملكة العربية السعودية في ظل رؤية السعودية 2030، تتجلى أمامنا صورة وطنٍ جعل الإنسان محور التنمية وغايتها، واستثمر في قدراته ومعارفه ومهاراته بوصفه الثروة الأغلى والركيزة الأهم لبناء المستقبل. ويبرز التقرير السنوي لبرنامج تنمية القدرات البشرية شاهدًا حيًّا على هذا التوجه الوطني الطموح، بما تضمنه من مؤشرات وأرقام تعكس حجم الجهود المبذولة والأثر الممتد الذي تحقق في تنمية رأس المال البشري السعودي.

لقد أولت الدولة – أيدها الله – عناية استثنائية بتطوير منظومة التعليم بمختلف مراحلها ومساراتها؛ العام والعالي والتقني والمهني، من خلال مبادرات نوعية ومشروعات تطويرية متسارعة تشرف عليها وزارة التعليم، وتساندها هيئة تقويم التعليم والتدريب بمنظومة متكاملة من معايير الجودة والاعتماد والتميز، بما يضمن الارتقاء بالمخرجات التعليمية وتعزيز تنافسيتها عالميًا.

ولم يقتصر هذا الاهتمام على التعليم النظامي فحسب، بل امتد ليشمل بناء المهارات وصقل القدرات وتمكين الكفاءات الوطنية في مختلف المراحل العمرية، عبر منظومة واسعة من البرامج والمبادرات التي تقدمها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ومن أبرزها برامج صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف)، وبرنامج تمهير، وبرنامج إثرائي والعديد من المبادرات التي أسهمت في رفع جاهزية أبناء الوطن لسوق العمل وتعزيز فرصهم المهنية.

كما ينهض القطاع غير الربحي بدور تنموي رائد في هذا المجال، من خلال مبادراته التعليمية والتدريبية الهادفة، وفي مقدمتها البرامج النوعية التي تقدمها مؤسسة محمد بن سلمان “مسك”، والتي أصبحت نموذجًا وطنيًا ملهمًا في اكتشاف المواهب وتمكين الشباب وإعدادهم للمستقبل.

وفي الوقت ذاته، يواصل القطاع الخاص أداء دوره الوطني في الاستثمار في الإنسان السعودي، انطلاقًا من مسؤوليته المجتمعية وإيمانه بأن تنمية الكفاءات الوطنية تمثل استثمارًا مستدامًا يعود أثره على الوطن والاقتصاد والمؤسسات ذاتها. وقد برزت في هذا السياق نماذج وطنية مشرقة، من بينها البرامج والمبادرات التي تقدمها أرامكو السعودية، وسابك، وصندوق الاستثمارات العامة، وغيرها من الجهات التي أسهمت في صناعة فرص نوعية للتعليم والتدريب والتأهيل.


ويؤكد التقرير السنوي لبرنامج تنمية القدرات البشرية أن هذه الجهود المباركة لم تُبنَ على الاجتهادات العابرة، بل انطلقت من رؤية استراتيجية واضحة، تستند إلى أفضل الممارسات والمعايير العالمية، وتسعى إلى ترسيخ مفهوم التعلم المستمر مدى الحياة، وتعزيز ثقافة التطوير الدائم للمعارف والمهارات، بما يضمن استدامة الأثر وتعظيم العائد التنموي للأفراد والمؤسسات والوطن.

وما هذه المنجزات المتتابعة إلا ثمرة من ثمار رؤية السعودية 2030 التي أحدثت تحولًا تاريخيًا في مسيرة التنمية الوطنية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظهما الله – وبجهود متكاملة من أصحاب السمو والمعالي الوزراء، ورؤساء البرامج الوطنية، والقطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، الذين أسهموا في صناعة هذا المشروع الوطني العظيم.

وإذ سرّني ما تضمنه التقرير من مؤشرات واعدة ومنجزات نوعية في تنمية القدرات البشرية السعودية، فإنني أرى في هذه الأرقام ملامح مستقبلٍ أكثر إشراقًا، تتسارع خطاه نحو الريادة العالمية، وترتفع بشائره بثقة نحو آفاق أرحب من الازدهار والتمكين، في وطنٍ طموحٍ لا يعرف سقفًا لطموحه، وأثرٍ ممتدٍ تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.


د. عبدالله بن عبدالرحمن الأسمري

وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للشؤون التعليمية

الإثنين 29/12/1447 هـ 15/06/2026 م
التقييم: