اللغة العربية .. لغة القرآن

الكاتب :   د. محمد بن سليمان الواصل

بسم الله الرحمن الرحيم

اللغة العربية لغة القرآن

الحمدُ لله الذي جَعَلَ العَرَبِيَّةَ لَنا لِسانًا، وَزادَها شَرفًا وجَمالاً وَبَيانًا، أَنزَلَ بِحروفِها الذِّكرَ قُرَآنًا، كَرَّمَ الإنسَانَ، وهَداهُ بالقُرآنِ، وعلَّمهَ البَيانَ، وبعث سَيِّدَنا مُحمَّدًا أَفصَحُ النَّاسِ لِسَانَا وأجمَلُهم بَيانَاً، وَهبَهُ رَبُّهُ جَوامِعَ الكَلِمِ فَفاقَ النَّاسَ فَضْلاً وَجَمالاً، فالَّلهمِ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عليه وعلى آلِهِ وأصحَابِهِ فهم في الُّلغَةِ والبَيانِ فُرساناَ، أما بعد :

  • اللغة العَربيةُ يَستَهدِفَها أعدَاؤُهَا :

حين كانَت لُغَةُ قُرآنِنا بهذه القُوَّةِ والمَقدِرَةِ، فَلا غَرابَةَ أنْ يَستَهدِفَها أعدَاؤُهَا، ويَعبَثَ بِها المُستَعمِرُ المَاكِرُ الخَبِيثُ بِالتَّهَجُّمِ تارةً وبِالتَّهوِينِ مِنْ شَأْنِهَا تارةً، وبِالسُّخرِيَةِ مِنها ومن المُشتَغِلينَ بِها تارةً أخرى، عَبْرَ وسائِلِ إعلامِهم، وقَصَصِهم، ورِواياتِهم، ومَسرَحِيَّاتِهم، حتى مع الأسفِ بِتنَا نَعرفُ شُعُوباً عَرَبِيَّةً إسلامِيَّةً لا تَكادُ تُميِّزُ حَرفَهمُ العَرَبِيُّ مِن الفرَنسيِّ, وَبِتنَا نسمعُ مِن أَبنَائِنَا عباراتِ الُّلغةِ الأجنَبِيَّةِ مُختَلِطَةً بِلُغَتِهُمُ اليَومِيَّةِ بل إنَّ عَدَداً مِن المَحَلاَّتِ والمَلابسِ تَحمِلُ عباراتٍ أجنَبِيَّةٍ ولَطالَمَا حَمَلَتْ عِباراتٍ بَذيئَةٍ ومَشينَةٍ نظراً لإقصاء اللغة العربية .

  • شِعَارٌ العَرَبِ :

لكلِّ أُمَّةٍ شِعَارٌ, وقَد أَنعَمَ اللهُ تَعالى على أُمَّةِ العَرَبِ بِأفْصَحِ لِسانٍ، وأَقوى بَيَانٍ، ثُمَّ كانَ تَاجُها وفَخَارُها مَنْ أوتِيَ جَوَامِعِ الكَلِمِ القائِلِ "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا"، فلقد مَنَّ اللهُ تعالى علينا بأَفضَلِ لُغةٍ في الأكوانِ إنَّها لُغةُ القرآنِ الكَريمِ فهيَ أَسَاسُ الُّلغَةِ  وَتَاجُها وشِعَارُها الُّلغةُ العَرَبِيَّةُ زهرةُ التَّأريخِ، وَشَهَادَةُ الأَجيَالِ، وَالمَنهَلُ العذبُ، والبيانُ السَّاحِرُ, ومِفتَاحُ الحقِّ المُبينِ. حَامِلةُ رِسَالِةِ الإسلامِ، وأدَاةُ تَبليغِ الوَحيَينِ, مَحفُوظَةٌ بِحفظِ القُرآنِ الكَريمِ، واللهُ  تعالى قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون)[الحجر: 9]، هي لُغَةُ الإعجَازِ الإِلَهيِّ والإبْدَاعِ الأَدَبِي. والعَرَبُ عامَّةً وقُريشٌ خاصَّةً تَعرِفُ قِيمَةَ الُّلغةِ ومَدْلُولاتِها ومآلاتِها.

  • قُريشٌ ضَاقتْ من بَلاغةِ القُرآن :

ضَاقتْ قُريشٌ بالقُرانِ الكريمِ وبأُسلُوبِهِ وبَيَانِه ذْرعاً, طَلَبَت من الوليدِ ابنِ المُغيرةِ أنْ يَقولَ في القُرآنِ قَولًا يَبْلُغُ قَومَهُ أنَّهُ كَارِهٌ لَهُ، ومُنكِرٌ لهُ فقَالَ الوليدُ وَمَاذَا أَقُولُ فَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاَوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاَوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلاَهُ, مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ أسمِعتم هذا الوَصفَ البَليغَ من أهلِ البلاغَةِ والُّلغةِ ألا يَحِقُ لَكم يا عرَبُ أنْ تَفخَروا بِلُغَتِكم وتُحافِظوا عليها وَتَذُودوا عن حِياضِها فالقُرآنُ الكَريمُ نَزَلَ بها، فَقَالَ سُبحانَهُ:(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء: 192- 195].

  • إعِمَال العَقل والِّلسَانِ العَرَبِيِّ :

رَبَطَ الله بينَ الِّلسَانِ العَرَبِيِّ وَبينَ إعمَالِ العَقلِ فَقَالَ تَعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[يوسف: 2] فَتَفَاعَلَ المُسلِمونَ مَعَ القُرآنِ فَأعمَلُوا عُقُولَهم وأنتَجُوا حَضَارَةً لا تُنكَرُ وَرَبَطَ اللهُ تَعالى بين الُّلغةِ العَرَبِيَّةِ وبينَ الدَّعوةِ إلى العِلمِ، فقال تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)[فصلت: 2]، فَنَطَقَ بِها المُسلِمُ وغَيرُهُ، وَصَارَتْ اللُّغَةُ ضَرُورَةً في كُلِّ فَنٍّ فَأَلَّفُوا المَعاجِمَ التي سَهَّلت لِلنَّاسِ النُّطقَ بِها. وَجَعلَ سُبحانَهُ الُّلغةَ العَرَبِيَّةَ سَبِيلاً إلى العِلمِ والتَّقوى فَقَالَ سُبحانَهُ (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الزمر: 27- 28].

  • فَضلِ الُّلغةِ العَرَبِيَّةِ عِند أعْلامِ الإسْلام :

تَحدَّث أعلامُ الإسلام عن فَضلِ الُّلغةِ العَرَبِيَّةِ وَمَكانَتِها فقد قَالَ الخليفةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ "تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ، فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي الْمُرُوءَةِ وتُثَبِّتُ الْعَقْلَ".

وكتبَ كاتبٌ لأبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه خطابًا لعُمرَ عَنْهُ فَبَدَأَهُ بِقولِهِ: (مِنْ أبو مُوسى)، فَكَتَبَ إليه عُمرُ أن اضرِبه سَوطًا، واستبدِلُه بِغيره! ما أعظمَ غَيرَتَهم على لُغَةِ القُرآنِ! فَلِلَّهِ دَرُّهُم!.

وقَالَ عبدُ المَلِكِ بنِ مَروانَ: "أَصلِحُوا أَلسِنَتَكُم فَإنَّ المَرءَ تَنُوبُهُ النَّائِبَةُ فَيستَعِيرُ الثَّوبَ والدَّابَةَ ولا يُمكِنُه أنْ يَستَعيرَ الِّلسانَ، وَجَمَالُ الرَّجُلِ فَصَاحَتُهُ".

وَقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: اعلم أنَّ اعتِيادَ الُّلغَةِ يُؤثِّرُ في العقْلِ والخُلُقِ والدِّينِ تَأثِيراً قَويِّاً بَيِّناً، ويُؤَثِّرُ أَيضَاً فِي مُشَابَهةِ صَدْرِ هذهِ الأمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ، ومُشَابَهَتُهُم تَزِيدُ العَقلَ والدَّينَ والخُلُقَ، والُّلغَةُ العَرَبِيَّةُ مِنْ الدِّينِ، وَمَعرِفَتُها فَرضٌ واجِبٌ، فإنَّ فَهمَ الكتَابِ والسنَّةِ فَرضٌ، ولا يُفهمانِ إلاَّ بِفَهمِ الُّلغَةِ العَرَبِيَّةِ، ومَا لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إلاَّ بِهِ فَهو واجِبٌ.

  • دَقِيقَةُ المَبنى واسِعةُ المَعنى :

اللغة العربية دَقِيقَةُ المَبنى واسِعةُ المَعنى بِحرفٍ واحدٍ, بل بِحَرَكَةٍ واحِدَةٍ يَتَغَيَّرُ كُلُّ شيءٍ تَأمَّلُوا قَولَهُ تَعالى(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر: 28] ومعناها أنَّ الْعُلَمَاءَ بِسَبَبِ مَعرِفَتِهم باللهِ وبِشَرعِهِ فهُم أكثَرُ النَّاسِ خَشيَةً وَمَحبَّةً وإجلالاً لِلهِ تعالى. ولو قَرأها أحدٌ فَقالَ: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ، لَصَار معناها فَاسِدَاً فَاحِشَاً قَد تُبطِلُ صَلاتَهُ حفِظَ الله لُغَتَنا مِن كُلِّ مَكرُوهٍ، وحيَّا اللهُ أَهلَهَا وأبَقَاهُم ذُخرًا يَصُونُونَ عِرضَها، ويَرُدُّونَ مَجدَها، أعوذُ باللهِ مِن الشَّيطانِ الرَّجِيم:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[إبراهيم: 4].

قاله كاتبه

د . محمد بن سليمان الواصل


التقييم: