لمحة من تربية الصغار في السيرة النبوية

الكاتب :   الاستاذ : عبدالرحمن بن سلطان الطليحي
​​​​​​​​​​IMG_3052.JPG


 

مع تبليغ الرسول الكريم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرسالة ربه ، ونشره للتوحيد أولى موضوع بناء شخصية الفرد في المجتمع عناية فائقة سواء في تعامله مع الكبير أو الصغير أو الرجل أو المرأة أو القريب أو البعيد أو الصديق أو العدو . وإذا كانت التربية أفسح مجالات بناء الشخصية فإن للأطفال منها نصيب الأسد ، وإذا تأملنا في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم نجد اهتماماً بالارتقاء بعقلية الطفل ، وإظهاراً لتقديره ، واعترافاً بحريته ، واحتراماً لرأيه ، وذلك عبر الحوار ، والإنصات له فيما يقول ، والاعتراف بوجوده وعدم تخطّيه ، ورحمته والشفقة عليه . فمن ذلك ما روي أن طفلاً أخاً لأنس بن مالك رضي الله عنه كان عنده طائر يسمى النُغر وكان مؤنساً له ، إلا أنه مات فحزن عليه ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : " يا أبا عُمير ما فعل النغير " ( البخاري ومسلم ) ولعلك تجد في هذا ما فيه من التطلف مع الصغار وسؤالهم عن اهتماماتهم بعبارة أبوية سامية تحفها الرحمة والمحبة والتقدير ، فهو صلى الله عليه وسلم يخاطب هذا الطفل مكنياً له ، فيظهر بذلك إعلاء لشأنه وتفاؤلاً بأنه سيكبر وينجب مستقبلاً . 

وفي جانب آخر لم تمنع المهام الجسام التي قام بها حبيبنا صلى الله عليه وسلم خير قيام وعلى أتم وجه ، من أن يصرف شيئاً من وقته لمداعبة الصغار ، تلك المداعبة الممزوجة بالرحمة والشفقة والأبوة الحانية ، فهذا محمود بن الربيع رضي الله عنه يقول : " عقلت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين " ( البخاري ) هكذا علقت هذه المجة المباركة من خير ولد آدم عليه الصلاة والسلام في عقل هذا الطفل فأصبح يحدث الناس بها مفاخراً ، وحُق له أن يفاخر ، فمع ما في هذه المجة من بركة ريقه صلى الله عليه وسلم كان فيها من التلطف مع هذا الطفل شيء كثير لا يمحى من ذاكرة الطفولة التي يعلق بها كل حدث جليل وجميل . وعندما يجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام يحظى بالقرب منه من أتى أولاً ، وعندما يعطي من في مجلسه شيئاً فإن من هديه عليه الصلاة والسلام أن يبدأ بمن هو عن يمينه ، وقد نال هاتين المكرمتين أحد الصغار ولم يؤثر بهما أحد فمع تقدمه بالمجيء كان عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندما شرب النبي صلى الله عليه وسلم من الإناء سلمه له ( الحديث بمعناه في البخاري ) هكذا يأخذ الطفل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حقه كاملاً غير منقوص ، وهكذا يتعامل معه النبي القائد المربي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

 


التقييم: